قبل الكلام
عندما بدأت في كتابة مواقفي مع الطلاب لم أكن أعلم أن عددا كبيرا من المواقف العجيبة ستحدث وتستدعي الكتابة لتدون ، وحين أرسل لي صديقي القاص أحمد محي الدين يدعوني لكتابة كل المواقف في كتاب ساخر للنشر : جمعتها وجمعت مواقف أخرى من حياتي تتخذ طابع التسلية والفكاهة ؛ فوجدتها تتعدى المائة موقف : قررت أن أتوقف عن نشرها فيسبوكيا أو بلوجسبوتيا حتى يصدر الكتاب ويكون النافذة المناسبة ، لذلك أعتذر عن عدم إكمال الحلقات التي سيحتويها الكتاب – بمشيئة الرحمان – وأنشر هنا مواقف أخرى من باب التسلية والتأمل أيضا .
على سبيل الدعاية ، وقبل الدخول إلى مقال اليوم : أعرض مجموعة من المحاور التي ستنظم المواقف في مجموعات داخل الكتاب ، كالتالي :
• من الطفولة .
• من المراهقة .
• في الجامعة .
• مع الطلاب .
• مع الطالبات .
• مع المدرسين .
• مع الشعراء .
• مواقف أخرى أو محاور أخرى .
انتظروني وسأنتظر معكم التوفيق من الله في صياغتها صياغة ممتعة بعيدة عن التفاصيل التافهة أو المملة ، وأنتظر اقتراحاتكم لعنوان مناسب للمجموعة وأفكارا تـُجَمِّل الكتاب ، خاصة أنها أول كتابة لي في مجال الحكي بعيدا عن عَروض مولانا الخليل بن أحمد الفراهيدي .
حين (ظـَـبَطـْـتُ) نفسي متلبسًا
عشرتي العميقة مع نفسي في الفترة الماضية – العميقة وليست الطويلة – سمحت لي أن أطلع على تفاصيل دقيقة أسَمِّي الواحدة منها (عقدة مستعصية) في لحظتـَيْ الصراحة الشديدة والكذب المتقن المغلف ببسمة مراوغة للذات قبل الآخرين ، وأسميها في اللحظة العادية (حلاوة روح) أو (بلاء عام) نتفق عليه جميعا وننكره جميعا .
حتى هذه المقدمة توهم القارئ بموضوع فلسفي مقعر ، بينما هو الإنسان في أبسط دواخله وخوارجه ، يراوغ ليحكيَ البساطة ، ويتباسط ليـُـتـَـفـِّـهَ الكوارث ... مواقف ستحكي ما تريد بنفسها ، وأحكي خلالها أو بعدها ما أريد .
*
الموقف الأول
*
طلاب المرحلة الابتدائية - الذين درستُ لهم حصتين ثم تركتهم ، فطلبوني مرة أخرى من إدارة المعهد - : كثيرو (الشقاوة والتنطيط) ، ينثرون صداعا عابرا وبهجة مزمنة ، كلما صدعتُ منهم وابتهجت هددتهم (بحبهم لي) قائلا : يا شباب يا بنات أشوفكم على خير ، دي آخر حصة هدرسهالكم ، ويهدأ وقتها أكثر الطلاب شغبا كرسالة ود لأمتنع عن هذا القرار ، ويتشعبط في ثيابي أكثر الطلاب دلالا عليّ ، فأعدهم بأن أفكر في طريقة لأكمل معهم وأدبر الظروف في الفترة بين الحصة الحالية والحصة القادمة ...
الوجه الرسمي لموقفي : أنها ظروف اضطرارية ، أو أنني مللت من شغبهم وأمارس حقي الشرعي .
الوجه الحقيقي : أنني أستجدي عطفهم (بكل كبرياء واستحقاق) ، وبكل وضوح وصراحة مع النفس .. أنا فعلا أرجو أن أسمع منهم احتياجهم لي .. احتياج متبادل ، ليس فقط لأنه حب ، ولكن لأنه جاء من منبع نقي لم يلوثه كدرٌ نسميه الخبرة – وإن كانت أسماؤه الأصدق : الافتعال .. الخبث .. التكلف .. المصلحة الشخصية .. إلخ .
*
الموقف الثاني
*
الطالبة الصغيرة التي أحبتني حبا بريئا كنت أشك فيه ، ثم لما تأكدت منه أصبحت أأنس به ، منحتني إياه متدرجا ومقطرا كأنه من كيان ناضج لا من طفلة ، وأبيض كأنه من عالم آخر :
- أستاذ ؟ أنا أكتر مادة بحبها هي العربي .
- عشان عندك ذوق يا حبيبتي .. طبعا العربي مادة جميلة .
- لا مش عشان كده .. عشان انت اللي بتدرسنا .
- شكرا يللا بقى نركز . (كنت قد بدأت أشعر بشيء)
- (بعد قليل) أستاذ انت أحسن مدرس درسني من أول ما دخلت المدرسة .
- وانت زي القمر وشاطرة وجميلة . (وعدت للدرس سريعا)
- (بعد قليل) أستاذ أنا أحبَّك .
- طبعا يا ماما لازم تحبيني لأني بحبك انتي ومحمد وووو ولازم الاستاذ يحب تلاميذه والتلاميذ يحبوا استاذهم .
- بس انت بتحبني انا اكتر منهم كلهم .. صح؟
- اه لما بتكوني مركزة في الحصة وبتسمعي الكلام ومبتتكلميش كتير .
- (بعد قليل وفي نفس الحصة) استاذ ليه لابس نفس الطقم بتاع امبارح ؟!
- لأني بمل بسرعة من الكوي ، واللي زيي لو لبس طقم كل أسبوع كويس ، فيومين يبقى كويس قوي .
- طيب متخلي زوجتك أو الخادمة تكويلك .
- لا مفيش خادمة ومش متزوج .
- طيب متتزوج .
- السنة الجاية إن شاء الله
كنت أحاول تخليص الكلام بأي صورة غير الإجبار رغم أنني أملكه ، المهم أنها بعد قليل خرجت وبدلع بناتي طفولي احتضنتني ولم ترد أن تتركني ، الأمر الذي أدخلني في حالة رعب ، هي طفلة جدا ، لكن لو مر أحد أمام الفصل فسيري مدرسا عديم الضمير عَوَّد تلميذته الضحية على طقوس لا تفهمها ويقصدها هو بحكم السن ، فأبعدتـُها برفق وقلت لها : مش وقت لعب ، لازم نركز في الحصة .
اللحظة التي (ظبطت) نفسي متلبسا فيها هي لحظة الحضن .. بكل تأكيد صارم المعنى .. حقيقي الدلالة : لم أشعر بشيء مشين ، هي وإن لم تكن في حكم ابنتي بسبب سني الصغير نسبيا : طفلة لا أستطيع أن أسمح لخواطري أن تخدش نقاءها ، لكني تمنيت لهذه اللحظة أن تطول ، ولم أعاتب نفسي ، لكني صارحت نفسي بحالة التلبس ، رأيت وحدتي في مرآة هذه اللحظة الجبارة التي لم تغير شيئا في كيانٍ ضعيف ، لكنها زلزلت كيانا يبدو قويا .
*
الموقف الثالث
*
طلاب الصف العاشر الذين أدرس لهم في المدرسة : يغضبونني كثيرا لأنهم لم يأخذوا من النضج إلا الصوت العريض والجسد الكبير ، وأتعاطف معهم لأنني أرى فيهم مراهقة لم تصبح عتيقة بعدُ ، أتعصب عليهم وأهددهم بدرجات أعمال السنة ، ثم أعود هادئا في قوة ، وذات مرة كنت أعنفهم ، وفجأة رفع أحدهم الموبايل ليصورني ، فقررت أن أبتسم حتى أبدو وسيما في الصورة بعيدا عن ملامح الغضب ، ولكن لا بد لهذه الابتسامة من مبرر درامي يستر الهزيمة التي أواجهها أمامهم إن تحولت مباشرة ، لا أذكر الآن هذا المبرر الاحترافي الذي أخرج صورة جميلة في الموبايل من جانب ، وأمام طلابي من جانب آخر، إلا إنني أذكر جدا هزيمتي المضحكة حينما (ظبطتني) متلبسا في موقف إنساني لن يعتبره أحدٌ موقفا نبيلا إلا أنا ، أو كل من مر بهزائم مماثلة .
*
الموقف الرابع
*
أحيانا أجد الفصل هادئا متقبلا للمجهود الذي أبذله بشكر صامت ، أو تفاعل جميل ، فأقرر أنها فرصة مناسبة لأبادرهم بود ، أو لأقابل ودهم بمثله وأكثر ، ولألقنهم رسالة قد لا يسمعونها في زمان ومكان آخر .. قد .. ،
- يا شباب : أنا أشعر أني أحبكم جدا وأعتبركم إخوة صغار .
- يعطيك العافية يا أستاذ ، مشكور ، ونحن نحبك ونحترمك ...... إلخ .
حجة الرسالة السامية حجة جميلة لأُسمِعَهم وأسمَعَ منهم ، لكن مع شخص صريح مع نفسه ومتسامح أيضا لا يجب أن أعتبرها حجة ، ولا يجب أن أرى الحقيقة من خلالها فقط ، هناك نافذة أخرى تطل على الحقيقة ، وهي أنني أريد أن أرى نفسي جميلا في عيونهم بوشاية مني ، لا مانع ، بشرط الرؤية الكاملة التي لا تحيد ، فتجلب التكلف أو الرياء أو القصور والنقص ، لا مانع أبدا .
*
الموقف الخامس
*
قلت لبعض طلابي : سأكافئ المتميزين منكم بنشر أعمالهم على مدونة ملحقة بمدونتي أسميها مدونة "طلابي" ، من يشارك بعمل فسيأخذ درجات أعلى في مادة الصحافة والإعلام التي أدرسها لأربعة عشر صفا ، ومن سيرد على أعمال زملائه ويتفاعل فسيحصل أيضا على درجات أعلى .
نية المكافأة النفسية للطلاب نية صادقة ، لكن لو اعتبرت فيها بعض الدعاية لمدونتي ولذاتي كمدرس غير تقليدي أو شاعر ؟ فهل يخل ذلك بالرسالة ؟ أظنه لا يخل ؛ فالدعاية ليست مبدأُ سيئا ، والاستثمار الإيجابي وارد ومتاح ، بشرط التركيز في الهدف الأسمى ومراعاة الأهداف الأخرى وعدم انقلاب الأمر لمصلحة ... إنه إذن تـَـلـَـبُّسٌ جديد .
*
نهاية
يا للخبث والتكلف الذي يتورط فيهما الإنسان لو لم يكن فاهما لذاته ، ويا للجهل الذي يغطي الإنسان من رأسه إلى قدميه لو ظن نفسه قد فهم نفسه وأحصى آخرها ، لنكن إذن على الطريق التي توصل من شاء الله أن يوصله ، لنعمل جاهدين في (ظبط) أنفسنا متلبسين ؛ لنصحح نواياها كلما ساحت في فضاءات الغايات والأهداف المتضاربة أو التي تبدو متضاربة ، رسالة لذاتي ومنها لذوات قد تلمس في تجربتي شيئا مشابها ، وتخمن بعدل وتجرد ما وراء القدر اليسير من الفضائح المضحكة التي نشرتها في محاولة لتجريم الذات وتبرئتها ، وتستطيع أن تفهم قوله تعالى : "وما أبرئ نفسي" وقوله "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت" في سياق واحد متناغم ومنسجم .
إسلام هجرس
6/4/2010م